من وحي فيلم الجوكر.. الرسائل الخفية لفيلم الجوكر متعددة، الصراع الطبقي، ومرض الشهرة والأضواء

0

بقلم: ذ. محمد عزيز الطويل

من أروع الأفلام التي يمكن أن يشاهدها الإنسان، تطور دراماتيكي للأحداث، يعكس واقعا مريرا نعيشه أو نشاهده، وفي كلا الحالتين هو مفروض علينا. الجوكر ذاك الشخص المحظوظ الذي لا يمكن الاستغناء عنه، فهو صالح في كل الأحوال، لكن بمجرد أن نجد البديل يمكن أن نستغني عنه، كأنه لم يكن.
هكذا إذا، وكما يقال : في داخل كل واحد منا شخص لا نعرفه، شخص غير متوقع، يمكن أن يجسد قمة الخير كما يمكن أن يجسد قمة الشر، أو يمكن أن يجسد خليطا من هذا وذاك. الجوكر بقناعه الملون، الذي أخذ ملامحه من بهلوان العصور الوسطى، أصبح شخصية سينيمائية شهيرة يمثل الشر والدمار وحب الانتقام. لكننا لم نتساءل يوما عن الدافع. ما الذي حول الجوكر إلى شخصية شريرة، وجهه مليء بالندوب، حياته بئيسة. الإجابة وحدها كفيلة بأن تجعلك متعاطفا مع هذه الشخصية، بل مبررا لأفعالها..؟.
الجوكر في الفيلم الأخير الذي حقق إيرادات عالية جدا، شخص متواضع جدا، شخص ميت الإحساس، لا يمتلك أي حس دعابة حقيقي، ونكاته لا تُضْحِك أحدا. وهو في نفس الوقت شخص مريض يداوم على أخد الدواء ولا يتوقف عن الاستشارات النفسية، نظرا لإصابته بمرض “التأثير البصلي الكاذب” (Pseudobulbar affect) الذي يجعله ينفجر في نوبات ضحك هيستيرية دون أي مقدمات، وكثيرا ما جعلته نوبات لا الضحك الهستيرية يدخل في شجار يكون هو الخاسر فيها على الدوام.
نتساءل من جديد عن محددات هذه الشخصية، ما الذي حول الجوكر لمثل هذا ؟ بالتأكيد أن القهر النفسي الذي عانى منه منذ طفولته ساهم بشكل مباشر في بناء شخصية الجوكر، فهو يعيش في مدينة “غوثام” الوضيعة المتسخة التي تعيش الجريمة بكل أنواعها، ولا تحس بأدنى رحمة بين أفراد سكان المدينة، التي انقسمت إلى قسمين، جهة خاصة بالأغنياء، وجهة خاصة بالفقراء والمحرومين الذين يعانون في صمت.
الجوكر لا يعرف أباه ولم يسبق له أن تعرف عليه يوما، الجوكر يعيش تسلط مشغله، بل إنه سيتعرض للطرد من عمله كمهرج. لكن الغريب أن الجوكر يظن نفسه فنان موهوبا، رغم أنه لا يملك حس الدعابة والنكتة التي تتطلبها الشخصية التي يتقمصها. لكنه رغم ذلك تعلق بوهم موهبته، وهذا التعلق وجودي أكثر منه نفسي مرضي، فالمسألة عنده سبب لاستمراره في الحياة. بل إنه ظل على الدوام متيقنا من وهمه، ينتظر فرصة الظهور لتسطع عليه أضواء الشهرة، وهذا ما حصل أخيرا.
ومع تقدم الفيلم تتطور الأحداث في مشهد سريالي، ستدفعه الجوكر إلى سلوك الجريمة، خاصة مع توالي الصدمات، الطرد من العمل، اكتشافه أنه ابن غير شرعي لملياردير، وكذلك أخ غير شقيق لشخصية مشهورة. أليس هذا كفيلا بتيرير ما قام به الجوكر من أفعال سيئة، ما الذي جعله يخوض هذا الامتحان الصعب، أن يعيش فقيرا غير معترف به، في حين أن والده مليارديرا وأخوه غير الشقيق ينعم بالامتيازات والسكن المريح، أليس هذا كفيل بجعله يفكر في الانتقام من كل شيء، بل إن مرضه بهستيريا الضحك كانت بمثابة دواء لحظي تجعله ينفس عن نفسه من القهر اليومي الذي يتعرض له. وقد لا مسنا كثرا بين ثنيات الفيلم تشجيع لأعماله كنوع من التوازن الطبقي، مما حوله إلى بطل أكثر من كونه مجرم وقاتل متسلسل.
فيلم الجوكر صراع طبقي، وتمثيل لشخصية الانسان التي تتبدل حسب الأوضاع، فيلم الجوكر يجعلنا نتريث قبل أن نلقي اللوم على أحد، أو نحكم على أحد، خاصة إذا وضعنا أنفسنا مكانه. الجوكر مدخل لدراسة الانسان. ففي الأخير في داخل كل واحد منا إنسان لا نعرفه، فحذاري أن ندعه يخرج إلى الوجود.

Leave A Reply

Your email address will not be published.