أسماء النعيمي تكتب.. في زمن كورونا

بقلم: أسماء النعيمي

ألم يكن من الأجدر بنا جميعا أن نأخذ العبرة من كورونا كي نطمئن ؟
كورونا التي أظهرت لنا جليًا حقائق الأمور، أوضحت لنا ما كان مستورا، وأثبتت لنا باليقين أنه في وقت الشدة لن تجد أمامك سوى القليل،
ستجد فقط أولئك الذين يشكلون الحلقة الأهم في تفاصيل أيامك لتكتمل صورتك،
لذلك لن يعود شيء كما بالسابق بعد الآن وعلينا أن نتعظ..
أحبائنا نقُص عددهم بشكل ملحوظ،
علاقاتنا الاجتماعية لم تعد كما كانت، ذلك ليس بسبب كوفيد 19 وحالة الطوارئ التي أرغمتنا على الالتزام كلٌّ ببيته فقط؛ أيضا ليس بسبب الوضع الاقتصادي الذي أصبح مزريا وتدهور أكثر مما كان عليه في الأشهر الأخيرة …
وإنما المواقف التي عرّت الغالبية وأسقطتهم من على رأس قائمة أولوياتنا، المواقف التي أسقطت الأقنعة عن محيا الغالبية ربما بعضهم كانوا يعتبرون السند ..
بالسابق كان كل شيء يبدو متزينا ببريق المجاملات، لكن ما أحدثته جائحة كورونا قلبت الموازين وأرغمتنا جميعا على وضع مخططات جديدة وإعادة اختيار من يستحق أن يظل بدائرة العلاقات التي نجعلها من أهم الركائز التي تضفي على أيامنا معنى،
كورونا جعلت كل شيء يبدو واضحا أكثر، حتى أولئك الذين يعدون أصدقاء اكتُشِف أن لا علاقة للصدق بهم،
ومن كانوا يعدون من العائلة اتضح أنه لا يربط بهم شيء سوى قرابة الدم ..
لذلك لن يعود شيء كما كان سابقا …
منهم من شاهده الجميع في بداية الجائحة صار يتهافت على اقتناء ما يملأ بطنه بشكل اللهط وكأنه يخشى أن يموت وهو يتضور جوعًا،
ومنهم من اكتشف ضعفه في تدبير أموره المادية وسقط في فخ الحاجة،
ومنهم من اكتشف ضعفه في تعاملاته مع أفراد أسرته، فلم يعرف سبل التواصل الجيد معهم،
ومنهم اكتشف أنه بيتوتي فاستلذ بطعم الراحة رغم الوضع الذي يعد مزري بالنسبة لعشاق الخرجات والتجول ..
ومنهم من اكتشف أن حياة الشارع كانت ترهقه ولم ينتبه آنذاك،
فحين اضطراره للبقاء داخل منزله بشكل أطول بدت علامات العياء الذي لم يكن مختبئا بين أضلعه بسبب الركض الدائم لتوفير متطلبات الحياة …
ومنهم من وجد صعوبة ليعود إلى الحياة الطبيعية بعد انتهاء فترة الحجر الصحي؛
لذلك لن يعود شيء كما كان سابقا!
الكورونا بينت لنا أن حياتنا لم تكن على ما يرام لكننا لم ننتبه إلا الآن،
حياتنا كانت مجرد حركات بهلوانية نمارسها كل من موقعه وبطريقته الخاصة،
لم نستغل لا أيامها ولا ثواني ساعاتها في أشياء تعود على ذواتنا بالنفع، رغم كل ذلك المجهود الذي كنا نبذله لإشباع رغباتنا إلا أن الظرف الراهن دفعنا لنستوعب أن تلك الرغبات لم تكن أبدا لصالحنا كانت فقط تخدم المظاهر الحياتية الدنيوية …
لذلك لن يكون أبدا شيء كما كان سابقا بعد الآن
كورونا من المفروض أن تجعلنا أكثر تسامحًا، نتعلم منها أن لا شيء يستحق أن نحمل في قلوبنا لأجله ضغينة،
علمتنا أن نكون أكثر محبة وعطاء ..
كورونا هي درس لنا كي نستيقظ من غفلتنا، ونرسم من جديد شكل أيامنا القادمة بعدما نتخلص من هذه الجائحة ..
والشيء الأجمل أن العالم أجمع سيشاركنا هذا التغيير كي لا نتأثر ونعود لما كنا على نهجه…
وإن هزمتنا الكورونا بفقدنا للأحباء،
وبهدم اقتصاد دولنا، وباختلاق حالة من الهلع والرعب في قلوب أطفالنا؛ إلا أنها صفعتنا صفعة المحب لنتّعظ ..
فلنتّعظ! كي نتجاوز المحنة التي أرهقت كاهل الجميع
لنتعظ! حتى نحصل على الطمأنينة من جديد، صحيح أن زمن الكورونا طال أكثر من المتوقع
لكن! ما الجدوى من استمرارنا ونحن مذعورين من الآتي ومما قد يحدث بغتة؟ ما الجدوى من تشبثنا بحالة الهلع التي حاصرنا أنفسنا داخلها ؟
إن حاولنا التخلص من التوتر الذي نعيشه وحاولنا التأقلم لن نخسر شيء لكننا سنستعيد الطمأنينة التي افتقدناها… فيكفي كل ما حملناه لذواتنا من طاقة سلبية بسبب الجرائم والكوارث التي تحدث. ولنطمئن ! فمهما طالت عتمة الليل سينبثق نور الفجر …

Loading...