أسماء النعيمي تكتب.. رحيل الغالي

بقلم: أسماء النعيمي

&…مضى سبعة أشهر على رحيله الأبدي …
فكيف لي أن أستقبل العام الجديد دونه ؟…..

حتى الجدران التي كانت تجمعنا أصبحت تضيق علي أنفاسي لدرجة أني هاجرتها لمدة أطول مما كنت أتوقع..
…ولا زلت أتذكر تلك الجملة التي قالها لزميله في العمل أثناء تواجدي الأول هناك لغرض إداري وهو يعرفه علي “الكبدة المعاودة” …

وأتذكر صلابة ظهره الذي لطالما امتطيته بعدما كان يضعه رهن إشارتي كالحصان على الأرض بالرغم من ارتدائه لبذلته الرسمية التي تجهز بها لأجل العمل …

ولازلت أستنشق رائحة قهوته التي كانت توقظني وتشكل جزءا مهما من صباحاتي

لم يكن شخصا عاديا أبدًا، كان لي نعم الأب
زرع بي الصدق دون أن يتفوه بكلمة،
علمني أن الصمت من شيم الحكماء دون أن يحتاج الشرح الكثير لي كي يقنعني
كانت صفاته وتصرفاته هي من تربيني …وتصرفني عن كل ما هو سيء …
أراقبه منذ طفولتي وكل يوم كان فخري به يزداد ..
تفانيه في العمل لم يكن عاديا حتى لو كان ذلك على حساب راحته، فوجدت نفسي أشبهه مع مرور الأيام…
عطائه لم يكن له حدود …
فرضه لقيمة الاحترام في أي جمع شارك به …
تقديره لأبسط عمل …
مزحاته …
نبرات صوته …
نغمة ضحكاته …
بريق نظراته..
الرضى الكبير الذي كان يسكن قلبه…
كلها أشياء جعلت منه بطلي
لم أسمع منه يوما كلمات تجريح تجاه أحد …
لم أراه يوما يشتكي …كان قنوعا فوق العادة ..
لدرجة أنه كثيرا ما تنازل عن حقه لاكتساب راحة باله …
في أي موقف مستفز يوضع به
يكتفي بعبارة “لا حول ولا قوة إلا بالله”

سؤاله لي كل صباح إلى أين ؟
واستفساره حول مكاني حينما أغيب عن المنزل لبضع أيام وأعود كانت بالنسبة لي من أثمن الأشياء التي كنت أمتلكها …
ينتبه إن تأخرت …
ينتبه إن لم أكن على طبيعتي …
ينتبه لأدق التفاصيل ..
حتى في سكوته كان يمرر لي رسائل أفك شفراتها عن طريق ملامحه المشرقة …
أما عن الأحد فكان مختلفا لدي لأنه كان سببا يجمعنا وسط النهار على شاشة الأخبار بمفردنا بعيدا عن ضجيج أهل المنزل…
تصرفات بسيطة في عيون الآخرين ربما كانت تبدو لهم ليس لها أي أهمية لدي حينها،
كانت تشكل عندي الحلقة الأبرز لبناء شخصيتي وترك بصمة عالقة بي مدى العمر …

فهل سأتخطى رحيله ؟
هل سأتمكن من تقبل رحيله يوما ما ؟
حقا ! لا أدرك الآن …
كل ما أعلمه يقينا أن ذكراه ستظل عالقة معي أينما اتجهت …
الشيء الوحيد الذي يعزيني
هو أني مدركة تماما أنه في المكان الذي يستحقه …
ألف رحمة ونور على روحه العظيمة ..

*إهداء لروح السيد أحمد الفرشم

Loading...