شوقي الشتوي يكتب.. التعدد أساس التقدم

بقلم:  شوقي الشتوي

ليست كلمة متنور تصلح لأي شخص فقط كونه ينتمي إلى إيديولوجية معينة، و كلمة ظلامي فقط كونه ينتمي إلى إيديولوجية مخالفة. قد تجد شخصان متنوران ينتميان إلى إيديولوجيتين مختلفتين.

إن المقياس هو مدى تقبلك للأخر و مدى إيمانك بحرية الفكر و حرية اختلاف الرأي. مهما كنا متيقنين من صواب رأينا و خطأ رأي  غيرنا علينا التحلي بالأخلاق في الحوار: عوض أن ننهج أسلوبا ردئا من قابل إطلاق أحكام جاهزة: كافر، منافق، زنديق، ظلامي، رجعي، فاجر، فاسق….إن وصفنا لشخص بعينه بمثل هذه الصفات نكون بذلك نغذي التعصب و نحكم على الإبداع بالموت. علينا الاستدلال بالحجاج و البراهين العقلية لإبراز صحة قولنا و بطلان متن غيرنا.

إضافة إلى ذلك علينا أن نستوعب شيء في غاية الأهمية أن الفضاء العام هو ملك للجميع، و ليس من حقنا محاربة الإيديولوجية المخالفة لنا بالعنف الدموي أو تضيق الخناق عليها بأي وسيلة من الوسائل؛ لأن مثل هذه الدغمائية لا يمكن أن تساهم في إحداث نهضة حقيقية قادرة على شق الطريق نحو التقدم و التغيير بل الصواب هو إخضاع كل إيديولوجية إلى معول النقد. علينا عوض الخوض في نية الناس، و إطلاق أحكام جاهزة عليهم، أن نخوض في مناقشة الأفكار.

إن الحقيقة ليست ملكا لعصر دون عصر أو أمة دون أمة و إنما هي إرث إنساني. أي الحقيقة لها طباع كوني و نسبي. و الحقيقة تتغير بتغير الزمان و المكان، و لها طبيعة مرنة. إذا كان( هبيل) محبذا أو مقبولا جدا بل ضروري أن يتزوج أخته فإن المسألة مرفوضة بشكل مطلق في عصرنا. أيها الكائن الخارق مهما ظننت أنك تملك الحقيقة دون غيرك، و لك العصا السحرية فاعلم حتى و إن لم تولد فإن العالم كان سيكون على هذا الحال و أن العالم لن يتوقف بموتك.

قد نتفق أن إيديولوجية معينة لها من الفاعلية أكثر من غيرها، لكن مهما كان نوعها إذا لحقها التشويه في التنزيل فإنها تظل فارغة. هنا يظهر من المتنور و من الظلامي. إن أكثر ما تعاني منه البشرية عامة و العالم العربي خاصة، هو السكوت على  الفساد و المفسدين. المتنور هو الذي يقوم بالكشف عن الخلل أيا كان فاعله، و يناصر الحق كان صانعه. إذا عملت كل إيديولوجية من موقعها على تعرية الفساد، سيقع تحول جذري على المستوى الاقتصادي والاجتماعي. و يصبح التعدد القلب النابض للتقدم و الرقي.

إن الدوغمائية  تفوت علينا الاستفادة من التنوع و الغنى الموجود، و تجعلنا نتطاحن  فيما بيننا، و لن نحصد سوى الجمود و الويلات. تقدمنا مرهون بدفاعنا عن الحرية. كفانا من التقوقع حول الذات، وصرف الجهد في استمالة الجمهور من أجل أغراض سياسية ضيقة لا تخدم  المصلحة العامة، و لا توفر لشروط العيش المشترك.

أيها الفقيه ليست مهمتك في الدنيا تكفير أو زندقة أحد، إن الوحي انتهى مع محمد عليه الصلاة و السلام، مجرد ما تنتهي من قراءة القرآن و تبدأ في الشرح و التفسير تكون انتقلت من الوحي إلى التأويل القائم على فهمك لنص، وهذا التأويل قد يكون صحيحا كما قد يكون خاطئا.

ما تراه يقينا و حقيقة مطلقة، يراه غيرك افتراء و كذبا، و العكس صحيح: أي العالم مليء بالحقائق المطلقة حسب المؤمنين بها، لذا تعصب كل واحد لحقيقته لن ينهي العالم من القتال. الحقيقة لها طابع نسبيا موزعة بين البشرية كل يملك منها جزء و يعتقد أنه ظفر بها وحده.

و كما هو معلوم أن العالم العربي و الإفريقي زاخر بالتنوع العرقي و الثقافي و الديني لذا علينا تعزيز التآلف و الانسجام و غلق باب التعصب و الكراهية و خلق أواصر المحبة و التواصل بين الشعوب، و الانفتاح على تجارب الغير بهدف الاستفادة من  خبراته. من حق أي شعب أن يحافظ على خصوصياته، و يتصدى للتدخل الأجنبي. و يرفض تسليم صوته إلى أي كان، دون أن يسعى هو نفسه إلى مثل هذه الأفعال.

إن الحضارة تتسع للجميع، لكل الأديان و الطوائف و العرقيات و المرجعيات و الخلفيات… و تبنى بالعلم و إعمال العقل، لا بالعنف كيف ما كان نوعه.

إن السياسة القذرة تتغذى على التعصب الديني و العرقي و الغلو المذهبي و السياسي. ايها الرئيس مجرد إعلانك الحرب على جهة معينة يصبح من حقهم محاربتك، و يلزمك أنداك تحمل مسؤولية الخسائر البشرية و المادية التي ستلق بوطنك.
كل من يكفر و يزندق المفكرين فهو يعمل على تكريس الجهل و التخلف الأمة و يفسح المجال أمام القوى الاستعمارية للمزيد من استغلالها للعالم الثالث و للقوى الداخلية للاستمرار في نهب ثروات البلد و تفقير و تهميش و إقصاء للقاعدة…
إن اختلاف الأفكار و الإيديولوجيات و الأهداف من سنن الكون. و كل ما عليا سوى جعل هذا الاختلاف فرصة لتقدم و أرضية لتنافس و الإبداع في شتى المجالات لا آلية من آليات التأخر.

لا يوجد منطق إما أو إما بل توجد عدد الإمكانات بقدر عدد الرؤى الموجودة في الكون. إن الفضاء المشترك ملك للمعاق و المرأة و الطفل و العجوز و الفقير و الأسود و الأبيض و المؤمن و الملحد، بل هو ملك لكل الكائنات.

هل سننتظر حتى يؤمن كل الناس بإيمان واحد و تصبح كل البشرية نسخة واحدة كي نعيش في سلام؟

*باحث في الفكر الفلسفي

 

Loading...