أسماء النعيمي تكتب.. فاجعة طنجة يجب ألاّ تنمحي من ذاكرتنا

بقلم: أسماء النعيمي

ما حدث يوم الإثنين بفاجعة طنجة داخل معمل يزعمون بأنه سري وكأننا نعيش وسط غابة تحكمها قوانين الذئاب ،معمل أنشئ دون حسيب ولا رقيب ليس بحادث عادي، لا يجب أن نتجاوز جميعنا حيثياته ..

حينما تلقيت الخبر الصادم لا أدري لما تذكرت مقتي الطفولي للمال أيمكن لأني وجدته السبب الرئيسي في رحيل أولئك الأبرياء أيضا ؟ لأنهم لو وجدوا فرصة أفضل يجلبون المال عن طريقها لما خاطروا باستهلاك قواهم بمكان كهذا .. أم لأني مدركة تماما لظروف الضحايا الذي كان المال الدافع الأول لهم لولوجهم إياه؟

ولجتني خيبة أمل كبيرة حينها فبعدما كنت أحاول تغيير نظرتي حول موضوع المال … وجدت ذاكرتي تأخذني لطفولتي التي كنت حينها أحتقر كل شيء متعلق بالمال ،كرهته لدرجة كبيرة بيني وبين نفسي حتى لو كان هو الوسيلة التي يعمل غالبنا لأجلها إلا أني كنت أراه السبب في المشاكل التي تنشب وسط العائلات وتفرقهم ويظهر هذا جليا في صورة زوج يعنف شريكة حياته لأنها تطلب منه أكثر من إمكانياته ،زوجة تحتقر أب أولادها بسبب عدم قدرته على تلبية جميع حاجيات البيت، أولاد يشمئزون من انتمائهم لوسط لا يوفر لهم ما يطمحون، آباء يلدون فقط كي يصبح لهم آلة تعمل لأجلهم وتريحهم من المسؤولية التي من المفترض عليهم تحملها …وغيرها من الصور الاجتماعية السيئة التي كان ولازال الدرهم وراءها ..

كنت ولا زلت أرى في هذه الوسيلة التي اخترعها الانسان سببا وراء فقدان الأحبة، فتارة غرقا في البحار التي تنقل للضفة الأخرى رغبة في فرصة عيش كريم وتارة أخرى على سرير الموت بالمستشفيات المهترئة الفاقدة لأبسط شروط الصحة، وغيرها من الصور التي أعتدنا على رؤيتها في مجتمعاتنا …

وفي ذاك المعمل الذي هرب إليه المواطن البسيط لكسب بضع دراهم تعينه على مصاريف الحياة لم يكن يدرك أن باب رزقه سيكون باب قبره الذي سيسلب منه روحه المتبقية تحت ملكيته، بجشع الباطرونات الذين يعبدون المال ويرغمون المواطن البسيط الذي يحلم فقط بمصدر دخل يوفر له لقمة يومه له ولأسرته يدفعه للقبول بشروط هؤلاء الاستغلاليين فيتنازل عن أبسط حقوقه، وكأنه غريق يتشبث بأول قشة ظهرت أمامه مع أنه يدرك لهشاشتها وهذا بالضبط ما يسعد هؤلاء الذين يتاجرون باليد العاملة لصالح جيوبهم التي كلما امتلئت كلما طمعت بالأكثر حتى لو كان ذلك على حساب حياة البشر، البشر الذين لا يساوون سنتيما في نظر أولئك الباطرونات الذين لا يأبهون لحياتهم ولو بذرة بقدر ما يأبهون بعداد حساباتهم المصرفية التي تزداد كل شهر من خلال امتصاصها لعرق ذاك المواطن البسيط …

كارثة رحيل هؤلاء الضحايا لا يجب أن تمرّ مرور الكرام كسابقاتها بلقاءات تلفزيونية وتنديد من طرف أفراد المجتمع على منصات التواصل الاجتماعي وغيرها، رحيل هؤلاء يجب أن يدق لأجله ناقوس الخطر ويحاسب كل من ساهم وتواطئ وتستر عن وجود قبور كهته تزهق بها أرواح المواطن البسيط …
فلك الله يا وطني إن لم نأخذ جميعا ثأر هؤلاء الأبرياء ضحايا رغيف عيش يستحيل أن ينمحوا من ذاكرتنا …

Loading...