الأموال المكتسبة بين الزوجين التحديات المطروحة ومداخل الإصلاح

بقلم: إبراهيم اللغداس

في إطار اللقاء التشاوري الثالث بجهة طنجة تطوان الحسيمة المنظم من طرف جمعية كرامة لتنمية المرأة ومنتدى الزهراء للمرأة المغربية في إطار حملة ترافع من أجل تعديل المادة 49 من مدونة الأسرة، التي رفع لها شعار “اللي شركناه بالفضل نتقاسموه بالعدل”. المنعقد بتاريخ 22/01/2021، على الساعة الثانية والنصف بفندق سولازور.

    تشرفت بحضور اللقاء، بعد الدعوة الكريمة التي تلقيتها من رئيسة جمعية كرامة لتنمية المرأة، ممثلا عن فريق قادة التغيير بمركز ابن بطوطة، رفقة الزميلة سلمى المعتصم، للمشاركة في النقاش رفقة ثلة من الأساتذة والاكادميين والمهنيين والباحثين، عبر مداخلة في الموضوع.

كانت هذه أهم الأفكار التي طبعت مداخلتي المتواضعة، الموسومة “بالتحديات المطروحة ومداخل الإصلاح”.

   في البداية وجبت الإشارة إلى أن المادة 49 من مدونة الأسرة هي مادة أتت للفت الانتباه أو تحذير الزوجين وإنذارهم  إن صح التعبير، من مغبة عدم توثيق الأموال المكتسبة أو التي سيتم اكتسابها مستقبلا، بطريقة غير مباشرة، بحيث إن مقتضياتها كانت مباحة في الأصل وكان من الممكن القيام بها حتى مع عدم وجود المادة، وبالتالي فهي أتت لتخبر أو تذكر الزوجين بمقتضيان أساسيان وهما:

+ استقلال الذمة المالية لكل من الزوج والزوجة، كما تؤكد على ذلك المادة 17 من مدونة التجارة.

+ أهمية التوثيق وما يضفيه من حماية لكل من أموال الزوج والزوجة على حد سواء.

     يعد موضوع اقتسام الأموال المكتسبة بين الزوجين، والذي يشار إليه قانونا بالمادة 49 من مدونة الأسرة، وفقها بمصطلح الكد والسعاية اللذان يختلفان عن بعضهما اختلافا جوهريا رغم أن الهدف الذي يجمعهما واحد، والذي يعد من أهم المواضيع الشائكة ذات الطابع الأسري، التي تثير العديد من الإشكاليات المرتبطة بالأساس بغموض النص الذي أدى إلى تضارب الآراء، ثم غياب عنصر الإلزام الذي على إثره تم تجاهل المادة بصفة تكاد تكون منعدمة حيث إن إحصائيات وزارة العدل لسنة 2015 كشفت أن 0.5 في المائة فقط من العقود المستقلة المعنية بتدبير الأموال المكتسبة هي التي تم إبرامها منذ دخول القانون حيز التطبيق.

     وبالتالي فما هي الإشكالات والتحديات التي تثيرها المادة المذكورة ؟؟ وما هي المقاربات أو مداخل الحلول الممكنة  التي يمكن أن تؤدي بنا إلى تجاوز الصعوبات التي تطرحها المادة حماية للرجل والمرأة على حد سواء، وبالأخص المرأة التي تعتبر هي الحلقة الأضعف في ظل مجتمع لازالت تسود فيه الهيمنة الذكورية..

 

أولا: التحديات والإشكالات التي تطرحها المادة 49 من مدونة الأسرة.

1/ إشكال مرتبط بالسياق العام الذي أتت فيه المدونة.

     وجبت الإشارة إلى أن مدونة الأسرة ككل أتت في سياق جد محموم، بين اتجاه محافظ وأخر يدعو إلى التحرر من كل القيود، والأخذ بالمبادئ الكونية لحقوق الإنسان التي تسعى إلى تكريسها المواثيق الدولية ذات الصلة، دون الآخذ بعين الاعتبار خصوصيات المجتمع المغربي، وبالتالي تناسلت الإشاعات وتضاربت الآراء، والكل يعمل من جهته فتبادر إلى ذهن العوام من أبناء الشعب أن المادة تقضي بقسمة ما يتم اكتسابه بين المرأة والرجل مناصفة، في حين أن المادة لا تقضي بذلك وهذا مثال بسيط على ذلك ليس إلا..

2/ تحدي مرتبط بجدلية المادة 49 ومدى ارتباطها بمؤسسة الكد والسعاية.

    هناك من وقع في الخلط بين المادة 49 و حق الكد والسعاية، بحيث أنهما يجمعهما نفس الهدف، وهو الحفاظ على حقوق كل من الزوجين، أثناء اقتسام الأموال المكتسبة بينهم.

وإذا أردنا التمييز بين مقتضيات المادة 49 و حق الكد والسعاية وجب علينا استحضار تعريف لحق الكد والسعاية، وبالتالي سنذكر هنا أحد التعريفات التي أعطيت له، حيث نجد أنه ” حق شخصي يقوم على أساس مساهمة السعاة في إطار شركة عرفية على تنمية الثروة الأسرية أو تكوينها مقابل استحقاقهم جزء من المستفاد يتناسب وقدر مساهمتهم حين إجراء القسمة، وكل ذلك يتم وفق مقتضيات العرف المحلي”.

 وبالرجوع للمادة التي نحن بصدد مناقشتها يتضح أن الفروق الجوهرية بينهما تكمن في نقطتين أساسيتان وهما :

– مؤسسة الكد والسعاية تهم جميع أفراد الأسرة وليس الزوجين فقط، على خلاف ما تضمنته مدونة الأسرة التي تتكلم عن الزوجين فقط ” ..مع مراعاة عمل كل واحد من الزوجين وما قدمه من مجهودات وما تحمله من أعباء لتنمية أموال الأسرة”.

– مؤسسة الكد و السعاية تقوم على أساس العرف المحلي وليس إرادة الأطراف، عكس ما تنص عليه المادة 49 من مدونة الأسرة، التي تفسح المجال كاملا لإعمال مبدأ سلطان الإرادة.

3/ كذلك هناك إشكال طرح بخصوص وسائل الإثبات.

    طرح تساؤل حول ما هي الوسائل التي سيتم الاعتماد عليها، هل هي المنصوص عليها في قانون الالتزامات والعقود، نتحدث هنا عن الفصل 404 من ق ل ع التي تعدد لنا الوسائل في” إقرار الخصم، الحجة الكتابية، شهادة الشهود، القرينة، واليمين والنكول عنها”. أم هي وسائل الإثبات المقررة في المذهب المالكي، بحيث أن المادة الأخيرة من مدونة الأسرة 400، تشير إلى انه كل ما لم يرد به نص في هذه المدونة، يرجع فيه إلى المذهب المالكي”.

4/ إشكالات مرتبطة بالواقع الاجتماعي.

    نجد بهذا الخصوص تحفظ الأزواج على ذكر الأمور المادية خصوصا في مرحلة إبرام العقد وحتى  في المرحلة القبلية له، وهذا ما يجني في كثير من الأحيان على الحقوق المالية للزوجة، تحت مسمى الثقة العمياء.

    كذلك نجد امتعاض العدول عن ذكر مقررات المادة 49 من مدونة الأسرة، لأن الوقت والحال يكون غير مناسبين، حيث أن الحال يدعو للفرح والسرور وليس المحاسبة، وهذا لا يمنع من توضيح المقتضى على أمل أن يبرم العقد في وقت لاحق، مادام أنه ليس هناك ما يمنع من أن يتم إبرامه لاحقا.

    غياب الثقافة القانونية التي تشعر الفرد بأهمية توثيق العقود، هذه الأخيرة التي حضت عليها الشريعة والقانون، في حين أننا ولحد اللحظة لازلنا نسمع أن  هناك بعض المناطق التي لا تبرم حتى عقد الزواج ولازلنا نسمع أيضا الزواج بالفاتحة أو الزواج العرفي، فما بالك بتوثيق عقد مستقل من أجل تنظيم عملية التوزيع والاستثمار للأموال المكتسبة بين الزوجين، وبالتالي يمكن القول على هذا الأساس أن القانون والمجتمع لازالت هناك هوة بينهما، خصوصا عندما نتحدث عن بعض المناطق النائية.

    كما أنني وفي هذا المقام أذهب مع الرأي القائل بأن هذه المادة لم تأتي بجديد يذكر، بحيث أن الفقرة الأولى سمحت للزوجين بالقيام بتصرف هو أصلا مباح شرعا وقانونا، ويجوز القيام به من غير التنصيص عليه، ما دامت أنها تصرفات لا تمس النظام العام ولا مقاصد ولا غايات عقد الزواج. أما الفقرة الأخيرة فقد أحالت على القواعد العامة للإثبات التي كان العمل بها جاريا قبل صدور المدونة، وهو ما يعني أنه كان من الممكن الإستناد إلى نفس المقتضى حتى قبل صدور مدونة الأسرة.

     كما أنها عند حديثها عن مسألة التوزيع أو قسمة الأموال المكتسبة أثناء الزواج لم تتعرض مطلقا لطبيعة هذه القسمة ولا القواعد التي يجب مراعاتها في ذلك، وأسندت مسألة التوزيع لإرادة الزوجين التي تظهر في اتفاقهما لتدبير الأموال المكتسبة، وبالتالي ظل هناك غموض حول صيغة و كيفية هذا التوزيع والاستثمار بل وحتى طبيعة هذه القسمة.

ثانيا: بعض المقاربات التي يجب أخذها بعين الاعتبار.

1/ المقاربة التشريعية.

    يجب على المشرع الانفتاح على الفاعلين في الميدان والدارسين للقضية والحقوقيين والمهنيين من أجل تفكيك هذه الإشكاليات، وتوضيح ما يمكن توضيحه وتفصيل ما يمكن تفصيله…

2/ المقاربة الأخلاقية:

    الأخلاق أولا وقبل كل شيء. كتب ادهم الشرقاوي في حائطه على مدونة الجزيرة، انه “حين تركت خديجة رضي الله عنها مالها كله لزوجها ينفقه كيف يشاء، لم يكن قانون قريش يبيح مال الزوجة للزوج، وما كان قانون الإسلام ليبيح هذا أيضا، ولكن خديجة علمت أن مثل زوجها لا يمنع شيئا، وأنه من العيب أن يجتمع زوجان تحت سقف واحد، وفي سرير واحد، ثم يفترقان في حفنة دراهم”. هذه هي سلطة الأخلاق التي تجلت في رسولنا العدنان صلى الله عليه وسلم، لكننا اليوم نعيش أزمة قيم، تشعرنا بأن سلطة القاعدة القانونية هي العليا لأنها مقرونة بالجزاء، أي أضحى الخوف من العقاب هو الرادع الأكبر، وهذا يتطلب منا رص الصفوف من أجل أن نعيد الاعتبار للمؤسسات التربوية، وهي دعوة لمختلف العاملين من أجل النهوض بالجانب الأخلاقي وتعزيز الوازع الديني لدى الأجيال الناشئة.

3/ المقاربة الإستباقية، لتوعية الأزواج بما لهم وما عليهم.

    وذلك عن طريق إنشاء مراكز متخصصة في توعية الأزواج على ما هم مقبلين عليه، ولما لا التنصيص على إلزامية الحصول على شهادة تفيد تلقي التكوين من أجل الحصول على الإذن بالزواج..

4/ مقاربة سوسيولوجية.

    نؤكد على ضرورة القيام بدراسات سوسيولوجية معمقة للواقع المعاش، على اعتبار انه من أهم خصائص القاعدة القانونية، كون أنها اجتماعية…بحث يجب الأخذ بعين الاعتبار العديد من المؤشرات نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:  ما نلاحظه من ارتفاع في  نسبة العنوسة بالبلاد وما تخلفه من تداعيات، كذلك وحسب أخر مذكرة إخبارية للمندوبية السامية للتخطيط فإن مؤشر ثقة الأسر في تراجع، نجد أيضا ارتفاع متوسط سن الزواج حيث وصل إلى 31.9 سنة بالنسبة للرجال و 25.5 سنة بالنسبة للنساء حسب أخر الإحصائيات المدلى بها من طرف المندوبية السامية للتخطيط، كذلك ارتفاع نسبة الطلاق بشكل مهول في الآونة الأخيرة، ناهيك عن الأوضاع الاقتصادية وما تعرفه البلاد من تدني الأجور وتدني مستوى الدخل.

ونختم بالآية الكريمة الكريمة التي يقول فيها الله تعالى: ” …فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ۗ… “سورة البقرة الآية 283.

Loading...